المناوي
18
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
والعالم الرّوحاني الملكوتي كالملائكة ، والجبروتي كالجنّ ، والرّوحاني أو الطيني أو التّرابي كالأبدال والأوتاد . والملائكة هم الذين قال اللّه فيهم : يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [ الأنبياء : 20 ] ، فما ظنّك بشخص هو جليس هؤلاء السّادة المعصومين من فترات الغفلات ؟ هل يكون إلّا ذاكرا ، ناظرا نفسه بعين التّقصير فيما يأتي به من فنون الطّاعات ، لما يعاينه من علوّ المقام ، ومشاهدة الجلال والإكرام ؟ وجليس المفلح يفلح ضرورة . وأمّا الرّوحانيّ الطّيني فكلّ عبد اتّصف بأوصاف الملائكة من الحضور مع اللّه تعالى في ميدان الجدّ والاجتهاد ، والاتّصاف بأوصاف الكمال ، كالخضر عليه السّلام ، ونحوه ، ألا ترى إبراهيم الخوّاص رضي اللّه عنه حين اجتمع بالخضر عليه السّلام كيف جعل اجتماعه به كرامة ، وقال له : بما ذا رأيتك ؟ فقال : ببرّك لأمّك . فبمثل الاجتماع بأحد من هؤلاء السّادة فليفرح ، وليتحقّق أنّ ذلك من اعتناء اللّه به حيث جمعه بأهل طاعته ، وخواصّ خلقه ، وحبّبه فيهم ، وحبّبهم فيه ، « هم القوم لا يشقى جليسهم » « 1 » ، أولئك الذين انتقلوا عن مبادئهم « 2 » الطّينيّة ، وخرجوا عن رعونة البشريّة ، وطبختهم شمس العناية بأرضهم الطّيبة المباركة ، المعتدلة المزاج ، اللّطيفة الأمشاج ، حتّى أخرجتهم عن مراكزهم ، وألحقتهم بالعالم العلويّ ، فانخرقت لهم العوائد ، وتصرّفوا « 3 » في الأجسام ، وضرب بسور القدرة القديمة في وجه الطّبيعة الذّميمة ، فلمّا لطفت الجوهرة وصفت طلبت العلوّ فهفت مع تعلّقها بتدبير الجسم التي به كلفت ، فسلّطت عليه « 4 » القوّة القهريّة متى شاءت فحجبته عن أعين النّاظرين ،
--> ( 1 ) من حديث رواه البخاري 11 / 177 و 178 و 179 في الدعوات ، باب فضل ذكر اللّه عز وجل ، ومسلم رقم 2689 في الذكر والدعاء ، باب فضل مجالس الذكر ، والترمذي رقم 3595 في الدعوات باب رقم 140 . ( 2 ) في مواقع النجوم صفحة 14 : عن معادنهم . ( 3 ) كلمة ( تصرفوا ) ليست في مواقع النجوم . ( 4 ) في الأصل : جبلة . والمثبت من مواقع النجوم .